عرض مشاركة واحدة
قديم 10-09-2009, 01:00 PM   #52
مسفر ناصر
 
تاريخ التسجيل: 23-11-2007
الدولة: الأحساء
المشاركات: 355
معدل تقييم المستوى: 19
مسفر ناصر is on a distinguished road
افتراضي رد : من جميل الذكريات ( أيام في الإشراف التربوي )

المعلم اللغز
سألت مدير المدرسة عن معلميه , أسهب في الثناء على أحدهم واصفا إياه بأن تميزه تجاوز المدرسة فهو ليس متميزا فيها فقط بل على مستوى المحافظة , شاقني حديثه عنه مما جعل نفسي تهفو إلى التبكير بزيارته , طلبت من المدير لقاء أوليا بالمعلمين , حضروا فتعرفت عليهم وكان من بينهم , تأملته أثناء الاجتماع فوجدته لم يقدم نفسه بشكل يتناسب مع وصف المدير له بالتميز, بل كانت نظراته التي يرمق بها زملاءه حين يتحدث أحدهم تشعر بأنه يرى لنفسه مكانا عليهم , انتهى الاجتماع , بعد هذه الزيارة بأيام عدت للمدرسة وكان ممن زرتهم ذلك اليوم ذاك المعلم , حضرت درسه فوجدت أنه لا يتميز عن زملائه بشيء شكرته وصرحت بسعادتي بحديث مدير المدرسة عنه , لم يستثره ثناء المدير عليه , أكملت زياراتي للمعلمين , ثم جلست للنظر في دفاتر إعداد الدروس فوجدت صاحبنا يحضر يوما ويترك يومين , سألت مدير المدرسة عن مدى علمه بذلك , استغرب وعاد يثني عليه , سألته عن درجة تقويمه العام الماضي فقال : منذ عشر سنوات تقريبا ودرجته 100 , قلت : عموما لا تقلق سأعالج الأمر بطريقتي الخاصة , استدعيت المعلم وتناقشت معه حول أدائه داخل الصف , أثنيت على جهوده وأبرزت له جوانب القوة لديه ثم ناقشته عن بعض الجوانب التي تستحق أن يوليها شيئا من العناية , خرج عن هدوئه منذ النقطة الأولى , أكدت له أن مناقشة بعض النواحي لا تعني ضعفه وقصوره فيها بل تعني بحثا عن زيادة في التميز , اكدت له أكثر من مرة أن وجهة نظري ليس شرطا أن تكون صوابا , صعقني عندما قال لي : أستاذ أنت تبحث عن أخطاء علي , رددت عليه سريعا : لماذا ؟ قال : لست أدري , قلت : ما أقوم به معك الآن فعلته مع بعض زملائك ولم يقل أنني أبحث عن أخطائه , قال : يا أستاذ كل من في المدرسة يعرف جهودي, قلت : صدقني سأكون أسعد الناس بالوقوف على جهودك , انتقلت معه للنقاش حول دفتر التحضير وكانت الدفاتر أمامي وقد جعلت دفتره في الأسفل , قلت : لمحت دفترا لا أدري هو لك أو لزميل لك يحضر يوما ويترك يومين , قال بثقة : ليس لي , قمت بسحب دفتره وفتحته فأريته ماذكرت قلت : يبدو يا أستاذ أن الأيام التي لم تقم بتحضيرها كنت في إجازة مرضية أو اضطرارية ( ذكرت له ذلك حتى أمنحه فرصة لينسحب ويحفظ ماء وجهه ) قال لي : يا أستاذ هل رأيت أحدا في المدارس يقوم بتحضير دروسه , قلت : نعم , الأصل هو التحضير وهذا ما أراه عند الكثير من المعلمين لكن لا يعني ذلك ترك المقصرين من المتابعة , الأهم من ذلك أنت تريد أن تضع نفسك مع أي الفريقين ؟؟ قال : يا أستاذ أشعرأنك تنتقص عملي , قلت : مافي دفتر التحضير كمال أم نقص , ياعزيزي دعنا من ذلك كله لنتفق على تحريك فرص التحسين , قال : على فكرة يا أستاذ أنت أول واحد ينتقص عملي كل من سبقك من المشرفين يثنون عليه خيرا , قلت : مارأيك لو جعلت المدير حكما بيني وبينك , قال : لا أرضى بالمدير حكما , قلت : كيف لا ترضى به حكما وهو الذي جعل لك الصدارة بين زملائك , سكت بامتعاض, عرضت الأمر على المدير ذكرت له هل يعد المعلم الذي يترك يومين أو ثلاثة في تحضير الدروس من المتميزين أم ممن يستحق المتابعة والعناية , قام المدير يثني على المعلم وأن هذه الأمور ستعالج بإذن الله , شكرت المعلم , عاد إلى فصله , سألني المدير كم يستحق يا أستاذ من درجة , قلت : كم ترى أنت ؟ قال : هو كل سنة يعطى مائة , قلت : مع ماعنده من التقصير , المهم اتفقت معه على 95 على أن يعالج وضعه , ودعت المدير وخرجت إلى الإدارة , بعد الظهر قابلت مدير الإشراف التربوي في الممر قال لي : أريدك في موضوع , ذهبنا إلى مكتبه , قال : للتو خرج من عندي معلم جاء يشتكي منك , عرفت أنه صاحبي , ذكرت له الموضوع , قال : لو كنت مكانك لكتبت فيه خطابا للإدارة هذا ليس متميزا هذا معلم مفرط في أمانته أقترح عليك أن تغير درجته إلى 75 فقط حتى يعرف حجم تقصيره , قلت : يا أباعمر هلا تركت لي صاحبي أعالجه بطريقتي , لا أرى النجاح في إغراقه في أخطائه بل في أن أمد يدي له لأساعده على تجاوز تقصيره , أرجوك دعني وصاحبي , عدت بعد فترة لزيارة المدرسة بشرني المدير أن المعلم عالج أخطاءه وانتظم في تحضيرهكما قدم لي اعتذاره عن شكوى المعلم علي , قلت : ليس لأحد أن يمنع أحدا من طلب حقه , وهذا المعلم سلك الطريق المشروع ولم يتجاوز , أخبرته بوجهة نظر مدير الإشراف التربوي عما يجب أن يستحقه من الدرجات , بهت , قال : تعرف يا أستاذ ماذا يعني ذلك ؟ يعني أنه سيكون المعلم الأقل ؟ قلت : لا تنزعج طلبت منه أن يترك الأمر لي ولك , عموما يا أستاذ أرغب في زيارة المعلم في فصله لعلي أجد له مزيدا من جوانب القوة , كنت قد زرته في القراءة سابقا , وأحببت أن أزوره في درس القرآن الكريم , ذهبت إليه وقد عزمت على تعزيزه وتشجيعه , لكنني وجدت أنه في القراءة خير منه في القرآن فقد كان يقرأ القرآن من غير تجويد أو معرفة بأحكامه , أشبه بقراءة عوام الناس , خرجت من عنده بعد أن شكرته , سألته في الممر عن إن كان سبق له أن أخذ دورة في التجويد
قال لي : لو أردت يا أستاذ أن أعلمك التجويد علمتك ؟ لم أرد عليه وواصلت سيري للإدارة !! عاد لي بعد عشر دقائق متوترا وهو يقول : يا أستاذ يبدو أنك غضبت من كلامي لكن تذكر أن ما ذكرته ردة فعل لكلامك الذي ذكرت فيه أنني جاهل في التجويد ؟ قلت له : اتق الله فلم يمرعلى كلامي أكثر من عشر دقائق , لقد سألتك هل سبق لك أن التحقت بدورة تجويد ؟ ثم هناك أمر آخر وهو دعني أستفد منك في التجويد كما ذكرت لي , ما أحرف الإدغام بغير غنة ؟ لم يجب , قلت : يا أستاذ ابسط لي ماعندك من العلم والذي خلقك لأكونن عندك نعم التلميذ فلا يكبرعلى, قام يتمتم باعتذار خافت كأنه يخشى أن يراه أحد , قابلته في مكان عام صدفة سلم علي بحرارة وكرر اعتذاره صريحا , دعاني لزيارة بيته , اعتذرت له لارتباطي بموعد , واصلت زياراتي للمدرسة للوقوف على المعلمين الآخرين وجدت أنه يتعمد الالتقاء بي في الممر بشكل يظهر أن غير مقصود ويجرني في حديث ويقذف بكلمة جريئة , فعلها أكثر من مرة وأنا أقابل إساءته بابتسامة لكوني منشغلا بمعرفة الدافع لذلك أكثر من الإساءة , قلت له في المرة الأخيرة ألا تستغرب أنني لا أرد عليك الإساءة , قال : نعم , قلت : لسبب واحد أخشى أن يزعجك !! قال : أرغب في معرفته , قلت : مادمت مصرا يا عزيزي فاسمع أنا أعاملك بأخلاقي لا بأخلاقك , لقد صبرت عليك ليس ضعفا أو عجزا أو قلة بيان بل ترفقا بك من جانب وسيرا على أخلاق الكرام وأخذا بالعفو وإعراضا عنك ...أما اليوم فستسمع وترى مني ماتكره سأحصي عليك جميع تصرفاتك وسأسعى أن تكون عبرة لغيرك , للأسف زادك حلمي عليك جرأة وقبحا , أعدك أن أضعك في مكانك الذي يليق بك ....لم ينبس ببنت شفة , تركته ودخلت الإدارة , بدأت أفكر في اللغز المحير , خطرت علي فكرة سألت المدير عن أحب معلم لديه , ذكر لي أحدهم , قلت له : أعلم أن هذا المعلم قريبا من نفسك وسأصارحك أشعر أن في الأمر لغزا أو حلقة ناقصة وقد قررت رفع شأنه للمسئولين وسأسعى في معاقبته إلى أقصى حد , قلت : أرجوك ساعده , قال لي : سأكون معك صادقا , هذا المعلم بعد أن أعطيته درجة أقل من مائة قام المعلمون يتهكمون به حتى وصل الأمر بهم أنه إذا رأوه في الممرات صرخ أحدهم قائلا : جاك المشرف الفلاني جاك ياويلك يقصدونك , فأصبح في كل زيارة لك للمدرسة يتعمد أن يلقي كلمة عليك ثم يأتي إلى غرفة المعلمين فيذكرها لهم وكانوا يستغربون منك عدم الرد , وكانوا يزيدون في تحديهم أن يلقى كلمة أكثر حدة فيفعل ويعود إليهم إلا هذه المرة فلم يقل شيئا , استدعيت المعلم عاتبته على أن رضي أن يكون ألعوبة في أيدي الآخرين , رأيت في عينيه اعتذارا صادقا ...قلت له : عفا الله عما سلف وغفر الله لي ولك , أصبح بعد ذلك من أروع المعلمين تعاملا ولطفا ونشاطا , قلت له : هذا هو معدنك الحقيقي فلا تفرط فيه .




مسفر ناصر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس